ابن كثير

278

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يقول تعالى : وَمِنْ آياتِهِ الدالة على عظمته وكمال قدرته ، أنه خلق أباكم آدم من تراب ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ فأصلكم من تراب ثم من ماء مهين ، ثم تصور فكان علقة ثم مضغة ، ثم صار عظاما شكله على شكل الإنسان ، ثم كسا اللّه تلك العظام لحما ، ثم نفخ فيه الروح فإذا هو سميع بصير ، ثم خرج من بطن أمه صغيرا ضعيف القوى والحركة ، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون ، ويسافر في أقطار الأقاليم ، ويركب متن البحور ، ويدور أقطار الأرض ، ويتكسب ويجمع الأموال ، وله فكرة وغور ودهاء ومكر ورأي وعلم واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه ، فسبحان من أقدرهم وسيرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب ، وفاوت بينهم في العلوم والفكر ، والحسن والقبح ، والغنى والفقر ، والسعادة والشقاوة ، ولهذا قال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يحيى بن سعيد وغندر قالا : حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك ، والخبيث والطيب ، والسهل والحزن وبين ذلك » « 2 » ورواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وقوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً أي خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [ الأعراف : 189 ] يعني بذلك حواء ، خلقها اللّه من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر ، ولو أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر إما من جان أو حيوان ، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج ، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس ، ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم ، وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة ، ورحمة وهي الرأفة ، فإن الرجل يمسك المرأة إنما لمحبته لها أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد ، أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 22 إلى 23 ] وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ( 22 ) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 23 )

--> ( 1 ) المسند 4 / 400 ، 406 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في تفسير سورة 2 باب 1 .